اسماعيل بن محمد القونوي
323
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) ولم يقيموا تفسير لقوله لم يصروا إذ الإصرار الإقامة على القبيح من غير رجوع بالتوبة قوله على ذنوبهم معنى ما فعلوا شامل للتروك لأنها بمعنى كف النفس عن الفعل غير مستغفرين إذ الإصرار ينتفي بالاستغفار والندم وإن فعل ثانيا ما فعله أولا يدل عليه قوله عليه السّلام « ما أصر من استغفر » الخ . والمراد بسبعين الكثرة لا التحديد قيل والحديث أخرجه الترمذي وأبو داود عن الصديق رضي اللّه تعالى عنه قوله غير مستغفرين حال من فاعل يقيموا والنفي داخل بعد ملاحظة الحال وإشارة إلى علة عدم الإصرار . قوله : ( حال من يصروا أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به ) حال من يصروا أي من فاعل يصروا فيه تنبيه على أنه حال من المنفي لا من النفي « 1 » فالنفي متوجه إليه أولا والتقييد بالحال بعد النفي كما مر قوله على قبيح فعلهم إن كان القبح كما في بعض النسخ فمن قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف والضمير في عالمين به راجع إليه بلا تكلف وإن كان صفة مشبهة فالضمير راجع إلى القبح المدلول عليه ضمنا والتقييد للتنبيه على أن الإصرار مع العلم أشنع فإن الجاهل قد يعذر فلا مفهوم وبالجملة النفي متوجه إلى المقيد باعتبار انتفاء الفعل مع اعتبار إثبات القيد ولا مجال لأن يتوجه النفي إلى القيد مع الفعل أو وحده وتفصيل هذا المقام قد مر في قوله تعالى : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 102 ] من هذه السورة من سورة البقرة فإن قيل إذا توجه النفي إلى الفعل بالذات فما فائدة التقييد قلنا فائدة التقييد التنبيه على أن نفي الفعل في صورة تحقق القيد أشنع كما أشرنا إليه لا لأن الجهل عذر نعم قد يكون « 2 » عذرا ولا يبعد أن يكون التقييد إشارة إليه وهذا مراد صاحب الكشاف بقوله وحرف النفي منصب عليهما معا وفسره النحرير التفتازاني بأن النفي متوجه النفي منصب عليهما معا والحاصل أن القيد في الكلام المنفي قد يكون لتقييد النفي وقد يكون لنفي القيد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط أو الفعل فقط أقول لم لا يجوز أن يكون الحال هنا قيدا للنفي وقد يكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل فإن قلت ترك الإصرار على الذنب موجب للأجر سواء كان في حال العلم أو في حال الجهل فلا دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر قلنا ليس المقصود من ذكر الحال تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح الذنب فيكون مدحا لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح وهذا هو الجواب أيضا عما يقال إذا كان النفي منصبا إلى المجموع يكون أصل المقصود نفي المقيد فقط وإن كان واردا على المجموع فإذا كان المراد في الحقيقة نفي المقيد فما معنى ذكر المقيد معه .
--> ( 1 ) حاصله أن النفي يلاحظ أولا ثم القيد ثانيا نظيره في النهي لا تزن وأنت شيخ فالمقصود نهي عن الزنا مع إثبات الشيخوخة بالطريق المذكور فتأمل . ( 2 ) لا أن كل جهل عذر فإن الجهل بما يكون من ضروريات الدين ليس بعذر ولا يرجى عفوه .